الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

597

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ [ البقرة : 284 ] اشتدّ ذلك على أصحاب رسول اللّه فأتوه وقالوا : لا نطيقها ، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : قولوا : « سمعنا وأطعنا وسلمنا » فألقى اللّه الإيمان في قلوبهم ، فلمّا فعلوا ذلك نسخها اللّه تعالى فأنزل : لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها ، وإطلاق النسخ على هذا اصطلاح للمتقدّمين ، والمراد البيان والتخصيص لأنّ الذي تطمئنّ له النفس : أنّ هذه الآيات متتابعة النظم ، ومع ذلك يجوز أن تكون نزلت منجّمة ، فحدث بين فترة نزولها ما ظنّه بعض المسلمين حرجا . والوسع في القراءة بضم الواو ، في كلام العرب مثلّث الواو وهو الطاقة والاستطاعة ، والمراد به هنا ما يطاق ويستطاع ، فهو من إطلاق المصدر وإرادة المفعول . والمستطاع هو ما اعتاد الناس قدرتهم على أن يفعلوه إن توجّهت إرادتهم لفعله مع السلامة وانتفاء الموانع . وهذا دليل على عدم وقوع التكليف بما فوق الطاقة في أديان اللّه تعالى لعموم ( نفسا ) في سياق النفي ، لأنّ اللّه تعالى ما شرع التكليف إلّا للعمل واستقامة أحوال الخلق ، فلا يكلّفهم ما لا يطيقون فعله ، وما ورد من ذلك فهو في سياق العقوبات ، هذا حكم عام في الشرائع كلّها . وامتازت شريعة الإسلام باليسر والرفق ، بشهادة قوله تعالى : وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [ الحج : 78 ] وقوله : يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ، ولذلك كان من قواعد الفقه العامة « المشقّة تجلب التيسير » . وكانت المشقة مظنّة الرخصة ، وضبط المشاقّ المسقطة للعبادة مذكور في الأصول ، وقد أشبعت القول فيه في كتابي المسمّى « مقاصد الشريعة » وما ورد من التكاليف الشاقّة فأمر نادر ، في أوقات الضرورة ، كتكليف الواحد من المسلمين بالثبات للعشرة من المشركين ، في أول الإسلام ، وقلّة المسلمين . وهذه المسألة هي المعنونة في كتب الأصلين بمسألة التكليف بالمحال ، والتكليف بما لا يطاق ، وهي مسألة أرنّت بها كتب الأشاعرة والمعتزلة ، واختلفوا فيها اختلافا شهيرا ، دعا إليه التزام الفريقين للوازم أصولهم وقواعدهم فقالت الأشاعرة : يجوز على اللّه تكليف ما لا يطاق بناء على قاعدتهم في نفي وجوب الصلاح على اللّه ، وأنّ ما يصدر منه تعالى كلّه عدل لأنّه مالك العباد ، وقاعدتهم في أنّه تعالى يخلق ما يشاء ، وعلى قاعدتهم في أنّ ثمرة التكليف لا تختص بقصد الامتثال بل قد تكون لقصد التعجيز والابتلاء وجعل الامتثال علامة على السعادة ، وانتفائه علامة على الشقاوة ، وترتّب الإثم لأنّ اللّه تعالى إثابة